ابن أبي الحديد

207

شرح نهج البلاغة

فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون ، فتصيبهم الجراح ، ثم يتحاجزون ، فكأنما انصرفوا عن مجلس كانوا يتحدثون فيه ، يضحك بعضهم إلى بعض ، فقال عبيد بن موهب للمهلب : قد بان عذرك ، فاكتب فإني مخبر الأمير . فكتب إلى الحجاج : أما بعد ، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ، ولم أحتج منهم عن المشاهدة إلى تلقين . ذكرت إني أجم القوم ، ولا بد من وقت راحة يستريح فيه الغالب ، ويحتال فيه المغلوب . وذكرت أن في الجمام ما ينسى القتلى ، وتبرأ [ منه ] ( 1 ) الجراح ، هيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم ! تأبى ذلك قتلى لم تجن ( 2 ) ، وقروح لم تتقرف ( 3 ) ، ونحن والقوم على حالة ، وهم يرقبون منا حالات ، إن طمعوا حاربوا ، وإن ملوا وقفوا ، وإن يئسوا انصرفوا . وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا ، ونتحرز إذا وقفوا ، ونطلب إذا هربوا ، فإن تركتني والرأي ، كان القرن مقصوما ، والداء بإذن الله محسوما ، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعصك ، وجعلت وجهي إلى بابك ، وأعوذ بالله من سخط الله ومقت الناس . قال : ولما اشتد الحصار على عبد ربه ، قال لأصحابه : لا تفتقروا إلى من ذهب عنكم من الرجال ، فإن المسلم لا يفتقر مع الاسلام إلى غيره ، والمسلم إذا صح توحيده عز بربه ، وقد أراحكم الله من غلظة قطري ، وعجلة صالح بن مخراق ونخوته ، واختلاط عبيدة بن هلال ، ووكلكم إلى بصائركم ، فالقوا عدوكم بصبر ونية ، وانتقلوا عن منزلكم هذا ، فمن قتل منكم قتل شهيدا ، ومن سلم من القتل فهو المحروم .

--> ( 1 ) من الكامل . ( 2 ) لم تجن : لم تدفن في الجنن ، وهو القبر ( 3 ) لم تتقرف : لم تتقشر .